محمد غازي عرابي

839

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 19 ] فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 19 ) [ سبأ : 19 ] الإشارة إلى السالكين الذين لم يتموا الهجرة إلى اللّه ، والذين سقطوا على الطريق ضحايا الأدواء النفسية ، فلا يصل إلى اللّه إلا من أتى اللّه بقلب سليم ، والقلب السليم هو الذي سلم أمره إلى ربه راغبا عن كل ما عداه ، ولقد عالج الإمام الغزالي في الإحياء أمراض السلوك الصوفي ، وكذلك فعل الإمام عبد الكريم الجيلي في كتابه الإنسان الكامل حيث نبه على خطورة ركوب الطريق إلى اللّه ، وعلى ما يمكن أن يتعرض له السالك من أخطار مهلكة تباعد بينه وبين اللّه بدلا من أن تقربه منه . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 20 ] وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) [ سبأ : 20 ] الآية تكشف دور إبليس في اللعب بالقلب ، وهذا ما أبانه الجيلي في كتابه المذكور . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 21 ] وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 21 ) [ سبأ : 21 ] ربطت الآية بين فعل إبليس وبين العلم الإلهي بما يفعل والحقيقة أن إبليس ما كان ليفعل شيئا من دون إذن اللّه ، وكيف يستطيع أن يفعل وهو مخلوق أولا ، وهو رئيس للملائكة سابقا ثانيا ؟ فالدور الذي يلعبه إبليس ذو قصد ، والقصد تنبيه الغافلين وفتح قفل القلب بمفتاح التضاد نفسه ، وسبق أن قلنا أن لا ندم بلا خطيئة ، ولا توبة إلا بعد الندم ، ولا استغفار بلا توبة . ولا إيمان بلا إسلام ، ولا إسلام بلا إلحاد ، والشيء بنقيضه يعرف بل ويوجد ، وعلى هذا فدور إبليس إيجابي وإن بدا سلبيا ، وعلى هذا برأ ابن عربي ساحته ، ورده إلى اللّه بعد عصيانه ، وهذا ما أعلنه سبحانه على لسان إبليس نفسه حيث قال : إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [ إبراهيم : 22 ] . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 22 إلى 23 ] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ( 22 ) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 23 ) [ سبأ : 22 ، 23 ] الإشارة إلى المشيئة والقدرة ، وكلتاهما من الصفات الإلهية السبع ممنوحة للبشر ، بحكم الإعارة فقط ، وهذا يذكر بعصا موسى التي انقلبت حية لقفت حبال السحرة الذين جمعهم فرعون لمجابهة موسى وإله موسى ، فالقدرة ، وإن كانت عصا في أيدي البشر ، إلا أنها كقوة وطاقة هي إلهية ، ولا يمكن أن تكون إلا إلهية ، وإلا فكيف استطاع الإنسان أن يبصر بعينه